
أشارت الروائية الفلسطينية الشابة نسمة العلكوك في حوارها مع “مؤسسة فلسطين للثقافة” إلى أنها تركز في أعمالها الروائية على “مجتمعنا الذكوري، أكتب عنه في ما وراء السطور داخل نصوصي النثرية، ربما بسبب تأثري بمجتمعي بشكل أساسي، ورغبتي في التغيير، حتى أنني أشير بإصبع الاتهام إلى المرأة كسبب أول في ما عليه المجتمع من ذكورية”.. مؤكدة في الوقت نفسه أنها لا تحب الروايات السفسطائية والفزلكات التي تبتعد عن وضوح الهدف ووحدة الموضوع بتركيزها على الأمور التي تثير الجدل للجدل نفسه بدون طرح أي قضية.
وحول انعكاس وجودها في غزة على إبداعها تقول: “غزة مادة خصبة للإلهام رغم ما نعانيه من اضطهاد، فالمعاناة تخلق الإلهام وفي غزة القصص متعددة ومختلفة ولها أوجه مختلفة عن أية مدينة أخرى، تميزها يهدينا إبداعا”.
و الروائية الشابة نسمة العكلوك من مواليد غزة، عضوة في رابطة الكتاب والأدباء الفلسطينيين درست الرياضيات، ولها رواية منشورة بعنوان “والتقينا من جديد”، ولها ثلاث روايات تحت الطبع هي “بين الأشواك”، و”امرأتان ثالثهما مرآة”.
حصلت العكلوك على عدة جوائز أبرزها المركز الرابع في مسابقة “ نجيب محفوظ” للرواية عام 2009م، والمركز الثالث والجائزة الفخرية لأهل غزة في مسابقة “أمجاد” الثقافية في سوريا عام 2010م، كما فاز نصها المسرحي بالمركز الأول في مسابقة “عائدون منتصرون” والتي نظمتها رابطة الكتاب الفلسطينيين عام 2010م، ولها نص مسرحي تحت الطباعة بعنوان “ليلي”، ولها عدة قصص قصيرة بعضها فاز بجوائز محلية وعربية..
* إذا عدنا سوية إلى البدايات.. وسألنا كيف كانت ومن هم الأدباء الذين تأثرت بهم.. والذين هم مصدر الإلهام حالياً.. ماذا تقولين؟
** في بداياتي قبل عشر سنوات تقريبا، وأنا في المرحلة الإعدادية، تأثرت بالروايات العاطفية ربما بسبب حكم العمر والتأثر السريع الطبيعي لهذه المرحلة، كلما نضجت أنا، نضجت اختياراتي وتذوقي للأدب خاصة فن الرواية، فهي السبب الأول لتولعي بالقراءة وإدماني عليها.
تأثرت بالعديد من الكتاب الكلاسيكين، أمثال شارلوت بروتني، توفيق الحكيم، أما مرحلة فيما بعد تأثرت بالحداثة بشكل أكبر وانعكست على طريقة كتاباتي ربما لأنها تعطي للكاتب مساحة أكبر وخيال أكبر وتركز على جمالية اللغة والمجاز والصور التي تجعلنا نقع في حب النص من قراءة أول سطر.
أقرأ بحب لـ “غادة السمان” وتنوع الأفكار داخل قصصها، “جوستين جاردر” وطريقته الفلسفية للأمور كما في رواية “عالم صوفي”، أو تقنية السرد التي اتبعها في رواية “فتاة البرتقال”، وقدرته على المحافظة على التشويق حتى آخر سطر في الرواية، رواية العمى “ساراماجو” تشبع القارئ عاطفيا وثقافيا بالرمزية الموجودة والتأثير الروحاني والبعد الأخلاقي أيضا.
لا أحب الروايات السفسطائية والفزلكات التي تبتعد عن وضوح الهدف ووحدة الموضوع بتركيزها على الأمور التي تثير الجدل للجدل نفسه بدون طرح أي قضية، أو تلك النصوص التي تقتصر على التباهي فقط بالصور وجماليات اللغة بفرد عضلات المجاز داخل النص النثري بغض النظر عن مناسبته للفكرة وطرح الموضوع وطريقة العرض.
* هل هناك تكاملا في المواضيع التي تتناولينها في كتاباتك (الرواية والقصة والمسرح)، وأين تجدين نفسك؟
** الرواية لطالما كانت ومازالت أقرب إليّ قراءة وكتابة، تحقق لي حالة إشباع أكثر من أي نوع أدبي آخر، كما أنها تحتمل الاستطراد والتفاصيل التي تجعل القارئ يشعر وكأنه جزءا من الحدث. منذ صغرنا تعودنا أن نستمع إلى “حواديت” قبل النوم.
وكم نتحمس للاستماع إلى التفاصيل الصغيرة جدا، ونجيد الاستماع إليها مجددا رغم حفظنا للأحداث غيبا، حتى أننا لا نمانع أن نضيف حدثا أو نقبل بأن يضيف الحكواتي عليها حدثا، رغم ما تستغرقه الرواية من وقت أطول من كتابة النصوص النثرية الأخرى مثل “القصة أو المسرح” إلا أنني وقعت في حب تلك التفاصيل منذ الصغر، فالمسرح امتداد من الرواية دون راوي.
أحب أن أتناول مواضيع متنوعة، ومازلت أحاول تقديم نفسي بطريقة مختلفة عن كل مرة.
* بالتالي ما هي الأسئلة التي تطرحها نسمة العكلوك في رواياتها أو في أعمالها بشكل عام.. أو تريد منها الإجابة عليها؟
** أركز على عدة أمور أولها مجتمعنا الذكوري، أكتب عنه في ما وراء السطور داخل نصوصي النثرية، ربما بسبب تأثري بمجتمعي بشكل أساسي، ورغبتي في التغيير، حتى أنني أشير بإصبع الاتهام إلى المرأة كسبب أول في ما عليه المجتمع من ذكورية، فهي الجدة والأم والأخت والابنة وهي من تساعد الرجل على زيادة تسلطه وشعوره بالتفوق من خلال تربيته بالبداية وتعاملها معه ثانيا وعدة أسباب لا حصر لها، رغم علمها بأنها أول من سيعاني من هذا التفوق الذكوري.
في الرواية الفلسطينية دائما تطرح فكرة البطل “العائد، المقاوم، المفاوض، المعتقل” وفكرتها الرئيسية على الأغلب تحمل البعد السياسي، ربما ابتعد عن هذا البطل، ولكنني أذكره ولا أغيبه عن نصوصي، أحب التنوع والتركيز على أمور جميلة أيضا ولكنني لا أنكر أو أتجاهل حقائقنا الفعلية كمجتمع فلسطيني محتل.
* وصفت روايتك “امرأتان ثالثهما مرآة” بأنها رواية نثرية.. وسؤالي عن كيفية فهمك لدمج الأجناس الأدبية.. وهل هي حاجة يفرضها النص.. أم هي حالة تمرد على النص، أم على الذات..؟
** النصوص النثرية تتضمن الرواية والقصة والمسرح، الرواية تحتمل التنوع والتجديد، ومن هنا ظهر التجريب في الرواية، بالنسبة لدمج الأجناس الأدبية فهي مازالت قضية شائكة، وهناك من يرفضها حتى الآن، وهناك من يوافقها من النقاد خصوصا بأنها بدأت تظهر بشكل قصدي مخطط له ومحترف.
قال صبري حافظ عن الرواية: “الجنس الأدبي الوحيد الذي مازال مستمرا في تطوره، وبالتالي لم تكتمل كل ملامحه حتى الآن، فالقوى التي تسهم في صياغة ملامحه باعتباره جنسا أدبيا لا تزال فاعلة ومتحولة أمام أعيننا..، وليس باستطاعتنا التنبؤ بكل احتمالاته التشكيلية “.
الرواية هي الواقع وتطورها هو تطور الواقع، وزيادة الجدل حول إشكالية النوع الروائي لأنها أكثر انفتاحا على الأجناس الأدبية.
* “والتقينا من جديد”.. امرأتان ثالثهما مرآه” والثنائية “رجل ترتديه امرأتان”.. أسماء رواياتك تحوي بعدا إنسانيا وعاطفيا لافتا.. والسؤال: ما مدى طغيان هذا البعد في أعمالك بشكل عام؟
ربما المرأة تتجه نحو البعد الإنساني والعاطفي حسب الأيدلوجية الخاصة بها، وعلى الأغلب يشعرن بالحرج من الاعتراف، والسبب الأول البيئة والانتقادات اللاذعة من استنكارات واستهجان للكتابات الأنثوية التي تأخذ بعدا عاطفيا مما يجعل الأنثى تتخفى تحت عباءة الإنكار. لا يمكن تجاهل أن القالب الرومانسي يجذب القارئ، ولكن هذا لا يمنع أن تتضمن معها كافة القضايا التي نود طرحها باختلاف نوعها السياسي، الاجتماعي، الإنساني، العاطفي.
في روايتي “والتقينا من جديد” والتي صدرت في 2009 تتحدث عن قصة حب لفتاة مراهقة يكبر الحب في قلبها حتى تصبح شابة ناضجة، وتكبر الشكوك التي ترفض أن تبتعد عن طريقها وتعكر عليها صفو الحب الذي تعيشه.
أما روايتي “امرأتان ثالثهما مرآه” انتهيت من كتابتها في 2010 ولم تنشر ورقيا بعد، تختلف قلبا وقالبا عن روايتي الأولى التي على نمط الكلاسيكية، بينما الأخرى وقد تأثرت بالحداثة.
هي إسقاط للواقع الفلسطيني وبالأخص الغزي من خلال الفنتازيا.
وروايتي “رجل ترتديه امرأتان” الثنائية لرواية “امرأتان ثالثهما مرآه” وما زلت أكتبها حتى هذه اللحظة.
* وأين موقع يومياتك “يوميات غزة” في سياق هذا المفهوم.. ولماذا أسميتها يوميات غزة؟
** يوميات بدأت كحالة شعورية استفزتني لأكتب عن وقائع تحدث أمام أم عيني، لذلك سميتها بيوميات. كتبتها أثناء مراقبتي وتمعني للواقع الثقافي والواقع السياسي. وحتى المجتمع ومحظوراته، ولذلك تجد هذه اليوميات مطعمة باللغة العامية الغزية ببعض الأحيان لتتناسب مع العنوان أيضا، هذه العامية عبرت عما أردت بشكل أكبر وقد عجزت الفصحى عن إيصال ما رغبت به من قوة في التأثير على المتلقي، وبما تحمل في مضمونها.
* عندما تقومين بكتابة رواية.. هل تكون “الحكاية” بكامل شخصياتها وتفاصيلها حاضرة في ذهنك.. أم أنها تتشكل أثناء العمل؟
** ربما في البداية كانت الكتابة لدي مجرد حالة شعورية، أما الآن عندما أبدأ في كتابة أي نص أقوم بالتخطيط البطيء الذي يستغرق معي وقتا أطول مما يستغرقه كتابة النص، في البداية أرسم “الهيستوري” الخاص بالشخصيات بشكل يتوافق مع الفكرة والأحداث المتتابعة أثناء السرد، حين أشعر بتخمر الفكرة وشخصياتها في رأسي، وأصبح على معرفة تامة بأطباع شخصياتي وعاداتهم ومبادئهم وأخلاقياتهم وكيف يتصرفون في هذا الموقف أو ذاك، أبدأ التفكير بطريقة العرض مع المحافظة على التشويق داخل النص، باعتقادي أهم ما يميز رواية ممتازة ورواية ممتازة هي طريقة التشويق.
ولكن أي مهنة تحتاج للمزاولة والتدريب حتى تتقنها وتشعر بأن بإمكانك إجادتها على أكمل وجه، الكتابة أيضا تحتاج إلى ممارسة وتدريب ولا تقتصر على الموهبة فقط، “الموهبة” يمكن الاعتناء بها لتنضج كما الطفل الصغير الذي يحتاج إلى رعاية واهتمام ليكبر.
ولا بد أن يمر الكاتب بعدة مراحل انتقالية في حياته بغض النظر عن إيجابيات المرحلة أو سلبياتها ولكنها تسهم بشكل كبير في تشكيل شخصيته ونضجه على الأوراق. وكل يوم أشعر بأنني ما زلت أتعلم.
* ما الحالة السريالية في روايتك الثانية “امرأتان ثالثهما مرآه”.. وما مفهومك للتجريب في الرواية؟
** هذه الحالة نتجت من تلقاء نفسها دون فرض، ربما بسبب مزج الواقعية بالفنتازيا جعل منها حالة سريالية في بعض اللحظات والتي قد يصفها آخرون بـ “التجريب” فخلق عالم مهذب الشكل أنيق اللغة مع إعطاء مساحة أوسع للتخيل يكسر رتابة السرد، يضفي لونا جديدا وحرية فنية، حيث تتسم بالتساؤل والتشكك الدائم والنسبية. التجريب يجعل النص متطورا ليتماشي مع تطور المجتمع وتفتحه. وهذا التطور ناتج عن أساسيات السرد والاستفادة منه. ككتاب “ألف ليلة وليلة” على سبيل المثال.
ولكن حتى في التجريب داخل الرواية هناك شعرة بسيطة لو قطعت أفسدت الطبخة الأدبية، لابد أن يحافظ على الحكاية وتسلسلها منذ البداية حتى النهاية. ولا يغيب المضمون. ولا بد أن تكون مقصودة وتكتب بفنية عالية وتخطيط سليم.
* إلى أي مدى يستطيع الكاتب أن يكون حيادياً في تسيير شخصيات روايته.. وهل “حسمت” موضوع البطل الإيجابي أو البطل السلبي في داخلك؟
** هي مهمة صعبة على الكاتب أن يكون حياديا في تسيير شخصيات رواياته، ربما كلما أصبح عمره الأدبي أكبر وزادت خبرته وتمرسه أصبح أكثر قدرة على الحيادية، فغالبا ما يقع الكاتب في غرام شخصية من أبطاله رغما عنه، يسلط الضوء عليها بحب، يختزل مشاهد آخرين لصالحه، أو يعطيه الحق أكثر مما يجب.
أما بالنسبة للبطل الإيجابي الذي تعودنا عليه داخل أفلام الأبيض والأسود، الإيجابي جدا، والبطولي جدا، والنزيه جدا، والرومانسي جدا والوطني جدا، بمعني لا يخطئ جدا، بدأت صورته تتغير حتى أصبح بشريا أكثر من لحم ودم أقرب إلى قلوب الناس، بحيث يخطئ كما نخطئ ويحب ويكره ويحقد ويسامح. ربما كان الأمر صعبا على المتلقي في مرحلة انحدار البطل إلى مواصفات أكثر بشرية، حتى التعود لا يمكن كسره بسهولة، ولكن مع المتابعة نجد بأن التذوق الأدبي والفني ارتقى لتصبح الذائقة أكثر رقيا.
* هل تتوجهين إلى فئة عمرية خاصة “الشباب مثلا” عند كتابتك الرواية؟
** نشرت لي مسرحية بعنوان “الترمال” من خلال مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي في مارس 2011 لفئة الفتيان، حيث مخاطبة الفتيان عبر كتاب تحتاج إلى حذر كبير وتأني في السرد، حتى تصلهم العبرة والقيم التربوية دون غبار، تساعدهم على التفكير لا أن تؤخذ العبر كأمور مسلمة لا أكثر، أو تصبح مجرد استهلال للأفكار.
هذا العمل الوحيد الذي توجهت به إلى فئة عمرية وكانت تجربتي الأولى في المسرح وكذلك تجربتي الأولى للكتابة للفتيان.
* موضوع المرأة والتعبير عنها روائيا.. هل يشكل لك هاجس ما.. وبالتالي أين أنت من مفهوم الأدب النسائي؟
ليس هناك أدب رجالي وأدب نسائي، وما يحدده هو الموهبة وقيمة النص الروائي، تحت هذا المسمى نحجم الكاتبة ونضعها في خانة “الحريم”. الرجل يجيد التحدث بلسان الرجل والتعبير عن مشاعره والمرأة تجيد التحدث بلسان المرأة ومشاعرها وقدرتها العميقة في سرد التفاصيل وتشكيلها ، وهناك الكثير من يتبادل الأدوار ويجيده رغم ذلك. بالنهاية الموهبة هي الحكم.
* كيف تنظرين إلى العلاقة بين جيل الشباب من الأدباء الذي تنتمين إليه وبين الأجيال التي سبقتكم؟
** سؤال صعب جدا. ويحتاج إلى صراحة كبيرة، وبنفس الوقت مصداقية عالية وتأني أيضا. ربما بداية إجابتي مرتبكة بعض الشيء لأنه هناك تفاوت كبير بالأنواع. هناك من يهتم فعلا بالشباب ويقوم بتقديم النصائح بحب واهتمام بالغ وتواضع جدير بالإحترام الكبير. وأخص بالذكر الكاتب “محمود شقير” رغم انشغالاته ووقته الضيق إلا أنه مستعد لتقديم رأيه باهتمام واضح. والجميل بأن لديه أسلوب رائع في تقديم النقد البناء. وهناك الكثير من يهتم في تقديم المساعدة .وهناك آخرين لا يهتمون نهائيا بل نجده يعتمد على أسلوب التشريح السلبي. وأسلوب التفوق خاصتهم. ويؤثرون بالكاتب الشاب بشكل سلبي وهذا عن قصد. وربما …
* سؤال أخير.. وجودك في غزة.. هل تعتبرينه ميزة على الصعيد الإبداعي.. أم أنه أفقدك ميزة ما؟
** غزة مادة خصبة للإلهام رغم ما نعانيه من اضطهاد، فالمعاناة تخلق الإلهام وفي غزة القصص متعددة ومختلفة ولها أوجه مختلفة عن أية مدينة أخرى، تميزها يهدينا إبداعا.
ولكن لنكن صريحين غزة تحتاج إلى عناية واهتمام كبير. والسنوات الأخيرة بدأت الأحوال تتحسن نحو الأفضل ثقافيا. ولكنها مازالت على بداية الطريق.
حوار : وحيد تاجا_ سوريا
نشر الحوار على الرابط التالي
مؤسسة فلسطين للثقافة.